محمد جواد مغنية

214

في ظلال نهج البلاغة

وخفي المعنى المراد من هذه الحكمة على كثير من الشارحين ، وخبطوا فيه ، وفهموا منه أن الإمام أمرنا بأن نسكت أيام الفتنة ، ونعتزل إذا رأينا باطلا يتبعه قوم ويعارضه آخرون ، وحتى ان بعض الشارحين قال : « أراد الإمام أن يكون الإنسان أيام الفتنة ضعيفا غير مستكثر من المال » . ولا أعرف السبب الموجب لحشر المال هنا وحاشا للَّه وللإمام الذي أوقف نفسه للحق ، وضحى بها في سبيله أن يأمر بالفرار من جهاد الباطل والفساد . وبعد ، فكلنا نحن - أبناء الهيئة العلمية الدينية - نحفظ هذه الحكمة عن ظهر قلب تماما كما نحفظ سورة الإخلاص ، ونرويها ونوصي بها ، ولكن ما لها في أعمالنا أو أعمال معظمنا من نصيب . . فهذا يؤيد زعيما طاغية ويقول : أريد أن أعيش ، وذاك يوقّع عريضة مسمومة ملغومة إرضاء لشهوة رئيس أو متزعم ، وآخر يزيف ويحرف بوحي الشركات ومكاتب الاستخبارات ، ورابع إمّعة يستجيب لكل ناعق وشاهق . . وهنا يكمن السر في أننا نسير من ضعف إلى ضعف ، ويكثر فينا أهل الجهل والدجل . 2 - أزرى بنفسه من استشعر الطَّمع ، ورضي بالذلّ من كشف عن ضرّه ، وهانت عليه نفسه من أمّر عليها لسانه . المعنى : الطمع ضد القناعة ، ولكن كثر استعماله ضد المروءة والورع حتى صار حقيقة فيه ، أما حكمه فيقاس بآثاره ونتائجه ، ان خيرا فخير ، وان شرا فشر . وقول الإمام من استشعر الطمع معناه من اتخذه دينا له وديدنا بحيث لا يلتزم بشيء إلا على أساس منفعته الخاصة . ومن كان كذلك فقد حقر نفسه بنفسه ، لأن الإنسان يقاس بأهدافه وأمانيه . ومن كانت همته بطنه كانت قيمته ما يخرج منها كما قال الإمام . وقد يبتلى الإنسان بمرض أو فقر أو غيرهما من الآفات . وما من شك ان المرض بلاء ، والفقر مصيبة ، ولكن الكشف والإعلان عنهما وعن أية آفة -